الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
33
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بقرينة قوله ، في الآية التي بعد هذه : سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ [ آل عمران : 12 ] . والوقود بفتح الواو ما يوقد به كالوضوء ، وقد تقدّم نظيره في قوله : الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ في سورة البقرة . وقوله : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ موقع كاف التشبيه موقع خبر لمبتدأ محذوف يدل عليه المشبّه به ، والتقدير : دأبهم في ذلك كدأب آل فرعون ، أي عادتهم وشأنهم كشأن آل فرعون . والدأب : أصله الكدح في العمل وتكريره ، وكأنّ أصل فعله متعدّ ، ولذلك جاء مصدره على فعل ، ثم أطلق على العادة لأنّها تأتي من كثرة العمل ، فصار حقيقة شائعة قال النابغة : كدأبك في قوم أراك اصطنعتهم أي عادتك ، ثم استعمل بمعنى الشّأن كقول امرئ القيس : كدأبك من أم الحويرث قبلها وهو المراد هنا ، في قوله : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ، والمعنى : شأنهم في ذلك كشأن آل فرعون ؛ إذ ليس في ذلك عادة متكرّرة ، وقد ضرب اللّه لهم هذا المثل عبرة وموعظة ؛ لأنّهم إذا استقروا الأمم التي أصابها العذاب ، وجدوا جميعهم قد تماثلوا في الكفر : باللّه ، وبرسله ، وبآياته ، وكفى بهذا الاستقراء موعظة لأمثال مشركي العرب ، وقد تعيّن أن يكون المشبّه به هو وعيد الاستئصال والعذاب في الدنيا ؛ إذ الأصل أنّ حال المشبّه ، أظهر من حال المشبّه به عند السامع . وعليه فالأخذ في قوله : فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ هو أخذ الانتقام في الدنيا كقوله : أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا [ الأنعام : 44 ، 45 ] . وأريد بآل فرعون فرعون وآله ؛ لأنّ الآل يطلق على أشدّ الناس اختصاصا بالمضاف إليه ، والاختصاص هنا اختصاص في المتابعة والتواطؤ على الكفر ، كقوله : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [ غافر : 46 ] فلذكر الآل هنا من الخصوصية ما ليس لذكر القوم ؛ إذ قوم الرجل قد يخالفون ، فلا يدل الحكم المتعلّق بهم على أنّه مساو لهم في الحكم ، قال تعالى : أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ [ هود : 60 ] في كثير من الآيات نظائرها ، وقال : أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ [ الشعراء : 10 ، 11 ] .